الحجاج بن يوسف الثقفيThis is a featured page

الحجاج بن يوسف الثقفي

ترك عبد الملك بن مروان الأمر لعماله يفعلون كيف شاءوا في الأمصار من قتل بغير سبب وسجن بغير حريرة . وكان أفضلهم عنده من خاف الناس ظلمه ، مثل الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان ولوعاً بسفك الدماء . وكان يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته سفك الدماء . قال الحافظ الذهبي وابن خلكان وغيرهما ، أحصي من قتله الحجاج صبراً سوى من قتل في حروبه فبلغ مائة ألف وعشرين ألفاً وكذا رواه الترمذي . ومات في حبسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة منهن ستة عشر ألفاً مجردات . وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد . وعرضت سجونه بعد مماته فوجد فيها ثلاثة وثلاثون ألفاً لم يجب على أحد منهم لا قطع ولا صلب . وقال بن عساكر ، أن سليمان بن عبد الملك أخرج من كان في سجن الحجاج من المظلومين في يوم واحد ثمانين ألفاً . ويقال أنه أخرج من سجونه ثلثمائة ألف . وقال بن خلكان ولم يكن لحبسه سقف يستر الناس من الشمس في الصيف ولا من المطر في الشتاء ، بل كان حوشاً مبنياً بالرخام . وكان له غير ذلك من أنواع العذاب . وقيل أنه سأل كاتبه يوماً فقال ، كم عدد من قتلنا في التهمة . فقال ثمانون ألفاً . وكانت أم الحجاج الفارعة بنت همام تحت الحرث بن كلدة الثقفي حكيم العرب ، فدخل عليها ليلة في السحر فوجدها تتخلل ، فطلقها . فسألته عن سبب ذلك . فقال دخلت عليك في السحر فوجدتك تتخللين ، فإن كنت بادرت النداء فأنت شرهة وإن كنت بت والطعام بين أسنانك فأنت قذرة . فقالت كل ذلك لم يكن ، لكني تخللت من شظايا السواك . فتزوجها بعده يوسف بن الحكم بن عقيل الثقفي ، فأولدها الحجاج . فولد مشوهاً لا دبر له ، فثقب دبره وأبى أن يقبل ثدي أمه وغيرها ، فأعياهم أمره . فيقال أن الشيطان تصور لهم في صورة الحرث بن كلدة حكيم العرب . فقال ما خبركم . فقالوا ، بني ولد يوسف من الفارعة وقد أبى أن يقبل ثدي أمه . فقال اذبحوا له تيساً أسود والعقوه دمه . ثم اذبحوا له أسود سالخاً ولفوه من دمه واطلوا به وجهه ثلاثة أيام ، فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع . ففعلوا به كذلك فقبل الثدي ، فأوعزوا سبب ولوعه لسفك الدماء إلى ذلك . وكانت أم الحجاج امرأة لعوب فقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمعها تقول وهو يتفقد أحوال المسلمين كما كانت عادته : ا
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ............ أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
وكان نصر بن حجاج هذا أجمل رجل بالمدينة . فلما سمع عمر رضي الله عنه منها ذلك استدعى هذا الرجل فوجده جميلاً فقال له ، لا يجمعنا بلد واحد ، فنفاه عن المدينة . لذلك قال عروة بن الزبير يوماً للحجاج يا بن المتمنية ، يعيره بذلك . وكان الحجاج في أول عهده بالرجولة يعلم الأولاد بالطائف ، وكان اسمه كليباً ، وفي ذلك قيل : أينسى كليب زمان الهزال ......... وتعليمه سورة الكوثر
رغيـف له فلكة ما ترى .............. وآخر كالقمر الأزهر
وقال آخر في اسمه : ا
كليب تمكن في أرضكم .......... وقد كان فينا صغير الخطر
وأول ما ظهر من كفاءة الحجاج أنه كان في شرطة روح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان وكان عسكر عبد الملك لا يرحل برحيله ولا ينزل بنزوله . فشكا عبد الملك ذلك لروح بن زنباع فقال له ، يا أمير المؤمنين في شرطتي رجل يقال له الحجاج بن يوسف ، لو ولاه أمير المؤمنين أمر العسكر لأرحل الناس برحيل أمير المؤمنين وأنزلهم بنزوله . فولاه عبد الملك أمر العسكر ، فأرحل الناس برحيل عبد الملك وأنزلهم بنزوله . فرحل يوماً عبد الملك ورحل الناس وتأخر أصحاب روح بن زنباع عن الرحيل ، فمر عليهم الحجاج وهم يأكلون فقال لهم ، ما بالكم لن ترحلوا مع العسكر . فقالوا له انزل وتغد ودع عنك هذا الكلام يا بن اللخناء . فقال هيهات ذهب ما هناك ، ثم أمر بهم فضربت أعناقهم ، وبخيل روح فعرقبت وبالفساطيط فأحرقت . فبلغ ذلك روحاً فدخل على عبد الملك وقال ، يا أمير المؤمنين أنظر ماذا جرى عليَّ اليوم من الحجاج . فقال وما ذاك . قال قتل غلماني وعرقب خيلي وأحرق فساطيطي . فأمر بإحضار الحجاج ، فلما حضر قال له عبد الملك ، ويلك ، ماذا فعلت اليوم مع سيدك روح بن زنباع . فقال له يا أمير المؤمنين ، إن يدي يدك وسوطي سوطك ، وما على أمير المؤمنين أن يخلف لروح عوض الغلام غلامين والفرس فرسين والفسطاط فسطاطين ولا يكسرني في العسكر . فقال له أفعل . فتم للحجاج ما يريد ، وقوي من ذلك اليوم أمره وعظم شره . ويروى أن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على الحجاج يوماً فقال له الحجاج ، إيه يا خبيث شيخاً جوالاً في الفتن ، مع أبي تراب مرة ومع بن الزبير أخرى ومع بن الأشعث مرة ومع بن الجارود أخرى ، أما والله لأجردنك جرد الضب ولأقلعنك قلع الصمغة ولأعصبنك عصب السلمة ، العجب من هؤلاء الأشرار أهل البخل والنفاق . فقال أنس رضي الله عنه ، من يعني الأمير . فقال أياك أعني ، أصم الله صداك . فلما خرج أنس كتب إلى عبد الملك بما كان من الحجاج . فكتب عبد الملك إلى الحجاج كتاباً جاء فيه ، قد بلغني ما كان منك إلى أنس بن مالك وأظنك أردت أن تختبر أمير المؤمنين ، فإن كان عنده غيرة وإلا أمضيت قدماً ، فلعنة الله عليك وعلى آبائك . ومما جاء فيه ، فإذا أتاك كتابي هذا وقرأته فلا تلقه من يدك حتى تلقي أنساً بمنزله واعتذر إليه وإلا بعث إليك أمير المؤمنين من يسحبك ظهر لبطن حتى يأتي بك أنساً فيحكم فيك ولن يخفى على أمير المؤمنين نبؤك ، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون ، فلا تخالف كتاب أمير المؤمنين واكرم أنساً وولده وإلا لبعثت إليك من يهتك سترك ويشمت بك عدوك والسلام . وختم الكتاب وأرسله إلى الحجاج مع إسماعيل بن عبد الله ، فقبل أن يقدم على الحجاج بدأ بأنس فقال له ، إن أمير المؤمنين قد أكبر ما كان من الحجاج إليك وأعظم ذلك ، وأنا لك ناصح . إن الحجاج لا يعد له عند أمير المؤمنين أحد وقد كتب إليه أن يأتيك ، وأنا أرى أن تأتيه فيعتذر إليك ، فتخرج من عنده وهو لك معظم وبحقك عارف . ثم أتى الحجاج فأعطاه الكتاب فقرأه ، فتحمر وجهه وأخذ يمسح عنه العرق ويقول ، غفر الله لأمير المؤمنين ، ما كنت أراه يبلغ مني هذا . ثم أتاه أنس بن مالك فرحب به وقال ، عجلت باللائمة يا أبا حمزة إن الذي كان مني إليك كان عن غير حقد ، ولكن أهل العراق لا يحبون أن يكون لله عليهم سلطان يقيم حجته ، ومع هذا فأنا أردت أن يعلم منافقوا أهل العراق وفساقهم أني متى أقدمت عليك فهم عليَّ أهون وأنا إليهم أسرع ، ولك عندنا لعتبى حتى ترضى . فقال أنس ما عجلت باللائمة حتى تناولت مني العامة دون الخاصة ، وحتى سميتنا الأشرار ، وقد سمانا الله الأنصار وزعمت أننا أهل بخل ونحن المؤثرون على أنفسهم ، ولو كان بهم خصاصة . وزعمت أننا أهل نفاق ونحن الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل ، وزعمت أنك اتخذتني ذريعة لأهل العراق باستحلالك مني ما حرم الله عليك وبيننا وبينك الله حكم ، هو أرضى للرضى وأسخط للسخط ، إليه جزاء العباد وثواب أعمالهم ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، فوالله إن النصارى على شركهم وكفرهم لو رأوا رجلاً قد خدم عيسى عليه السلام يوماً واحداً لأكرموه وعظموه ، فكيف لم تحفظ لي خدمتي رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، فإن يكن منك إحسان شكرنا ذلك منك ، وإن يكن غير ذلك صبرنا إلى أن يأتي الله بالفرج . هذا ويجب علينا شكر عبد الملك على خطابه هذا الذي توعد فيه الحجاج على ما اقترفه في حق سيدنا أنس رضي الله عنه . ولو تأكدنا أن عبد الملك ما أرسله إلا لأنه يخشى على سلطانه من غضب المسلمين لو أنه ترك الحجاج يفعل بأنس أو بأمثاله مثل ذلك ، وهم الذين يعظمهم المسلمين ويجلونهم ، وخصوصاً آل البيت رضي الله عنهم جميعاً . الذي رأى ما جرى للأمويون بسبب اضطهادهم لهؤلاء من بغض المسلمون لهم حتى زال ملكهم . وكان عبد الملك يعتقد هذا ، ويدلنا على ذلك كتابه الذي أرسله للحجاج في أول خلافته الذي قال فيه ، أما بعد ، فانظر في دماء بني عبد المطلب فاجتنبها فإني رأيت آل أبي سفيان لما اولعوا بها لم يلبثوا إلا قليلاً . فشكراً له على عقيدته هذه . وكان الحجاج يدأب على سب علي رضي الله عنه ويغضب على من لا يسبه أمامه . روي الشعبي قال ، قدمنا على الحجاج في البصرة في جماعة من قراء الشام والعراق في يوم صائف شديد الحر وهو في آخر ثلاثة أبيات ، فدخلنا الأول فإذا فيه الثلج والماء قد أرسل فيه . وفي الثاني أكثر وفي الثالث أكثر ، والحجاج قاعد على سريره وعنبسة بن سعيد إلى جانبه ، فجلسنا على الكراسي ودخل الحسن البصري رضي الله عنه آخر من دخل فقال له الحجاج ، مرحباً بأبي سعيد ، اخلع قميصك . فجعل الحسن يعالج زر القميص فأبطأ به . فطأطأ له الحجاج رأسه تلطفاً به حتى حله . وجاءت جارية بدهن فوضعته على رأس الحسن وحده فقال الحجاج ، يا أبا سعيد ما لي أراك منهوك الجسم ، لعل ذلك من قلة نفقه وسوء ولاية ، ألا نأمر لك بنفقة توسع بها على نفسك ، وخادم لطيف . فقال إني من الله تعالى لفي سعة ونعمة ، وإني منه لفي عافية ، ولكن الكبر والحر . فأقبل الحجاج على عنبسة وقال ، لا والله بل العلم بالله والزهد فيما نحن فيه . فلم يسمعها الحسن وسمعتها أنا لقربي من عنبسة وجعل الحجاج يسأله حتى ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه فنال منه ونلنا منه مرضاة له وفرقاً من شره . والحسن عاض على إبهامه ، فقال له مالي أراك ساكتاً . فقال وما عسى أن أقول . فقال اخبرنا برأيك في أبي تراب . فقال إني سمعت الله عز وجل يقول ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) . فعلي بن أبي طالب ممن هدى الله ومن أهل الإيمان ، وبن عم نبي الله صلى الله عليه وسلم وختنه على بنته أحب الناس إليه ، وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله عز وجل لن تستطيع أنت ولا أحد من الناس يحظرها عليه ولا يحول بينه وبينها . فتغير وجه الحجاج وقام مغضباً عن سريره ودخل بيتاً خلفه . وخرجنا وأخذت بيد الحسن فقلت ، يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوعزت صدره . فقال إليك عني يا عامر ، ألست شيطاناً من الشياطين إذ توافقه في رأيه إلا صدقت إذ سئلت أو سكت فسلمت . فقلت ، قلتها والله وأنا أعلم بما فيها . قال الحسن فذلك أعظم في الحجة عليك وأشد في التبعة . وكان الحجاج ينكر أن الحسن والحسين رضي الله عنهما من ذرية المصطفى صلى الله عليه وسلم رغم كثرة أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك . فقد ذكر الشعبي قال ، لما بلغ الحجاج أن يحيى بن يعمر يقول أن الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يحيى بن يعمر بخراسان فكتب الحجاج إلى قتبيه بن مسلم والي خراسان أن ابعث إلى يحيى بن يعمر فبعث به إليه . قال الشعبي وكنت عند الحجاج حين أتى به إليه فقال له الحجاج ، بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أجل يا حجاج قال الشعبي فعجبت من جراءته بقوله يا حجاج . فقال له الحجاج والله إن لم تخرج منها وتأتيني بها مبينة واضحة من كتاب الله تعالى لألقين الأكثر منك شعراً ولا تأتني بهذه الآية ( ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ) . قال فإن خرجت من ذلك وأتيتك بها واضحة مبينة من كتاب الله فهو أماني . قال نعم . فقال قال الله تعالى ( ووهبنا له اسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى والياس ) . ثم قال يحيى بن يعمر ، فمن كان أبا عيسى وقد ألحقه الله بذرية إبراهيم وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن والحسين ومحمد صلوات الله عليه وسلامه . فقال له الحجاج ما أراك إلا قد خرجت وأتيت بها مبينة واضحة ، والله لقد قرأتها وما علمت بها قط . وكان الحجاج يقتل المسلمين بغير سبب كما تقدم . فقد روي أنه دعا الناس للقتال وقال ، قد أجلتكم ثلاثاً وأقسم بالله لا يتخلف أحد إلا قتلته . فجاءه عمير بن ضابئ بابنه فقال ، أصلح الله الأمير ، إن هذا أنفع لكم مني ، هو أشد بني تميم أيداً وأجمعهم سلاحاً وأربطهم جأشاً وأنا شيخ كبير عليل ، وإني من الضعف على ما ترى . فقال الحجاج إن عذرك لواضح وأن ضعفك لبين ، ثم قال نفعل أيها الشيخ . فلما ولى قال قائل أتدري من هذا أيها الأمير . قال لا . قال هذا عمير بن ضابئ البرجمي الذي يقول أبوه : ا
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ........... تركت على تبكي حلائله
ودخل هذا الشيخ على عثمان مقتولاً فكسر ضلعين من أضلاعه . فقال ردوه . فلما رد قال أيها الشيخ هلا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان بدلاً يوم الدار ، إن في قتلك أيها الشيخ صلاحاً للمسلمين . ثم أمر به فقتل . وأتاه رجل من بني يشكر ، وكان شيخاً كبيراً أعور ، وكان يجعل على عينه العوراء صوفة ، فكان يلقب ذا الكرسفة . فقال أصلح الله الأمير إن بي فتقاً وقد عذرني من قبلك وقد رددت العطاء . فقال إنك عندي لصادق . ثم أمر به فضربت عنقه . وقال بن ميرة إنا انتغدى مع الحجاج يوماً إذ جاء رجل برجل يقوده فقال ، أصلح الله الأمير ، إن هذا عاص . فقال له الرجل أنشدك الله أيها الأمير في دمي ، فوالله ما قيضت ديواناً قط ولا شهدت عسكراً ، وإني لحائك أخذت من تحت الحف . فقال اضربوا عنقه . فلما أحس بالسيف سجد . فلحقه السيف وهو ساجد ، فأسكنا عن الطعام . فأقبل علينا الحجاج فقال ، مالي أراكم صَفِرَت أيديكم واصفرت وجوهكم وحد نظركم من قتل رجل واحد . ويروى أن عون بن شداد قال ، بلغني أن الحجاج بن يوسف لما ذكر له سعيد بن جبير رحمة الله تعالى عليه بعد قتل بن الأشعث أرسل إليه قائداً من أهل الشام يسمى المتلمس بن الأهوحى وكان معه عشرون رجلاً من أهل الشام من خاصة أصحابه ، فبينما هم يطلبونه إذ هم براهب في صومعته ، فسألوه عنه . فقال الراهب صفوه لي . فوصفوه له . فدلهم عليه . فانطلقوا فوجدوه ساجداً يناجي ربه تعالى بأعلى صوته . فدنوا منه وسلموا عليه . فرفع رأسه فأتم صلاته ثم رد عليهم السلام . فقالوا له إن الحجاج أرسل إليك فأجبه . فقال ولابد من الإجابة . فقالوا لابد . فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام يمشي معهم حتى انتهوا إلى دير الراهب . فقال الراهب ، يا معشر الفرسان أصبتم صاحبكم . قالوا نعم . فقال لهم اصعدوا الدير فإن اللبؤة والأسد يأويان حول الدير ، فعجلوا الدخول قبل المساء . ففعلوا ذلك وأبى سعيد رضي الله عنه أن يدخل الدير . فقالوا ما نراك إلا تريد الهرب منا . قال لا ، ولكني لا أدخل منزل مشرك أبداً . فقالوا إنا لا ندعك ، فإن السباع تقتلك . قال سعيد فإن معي ربي يصرفها عني ويجعلها حراساً حولي تحرسني من كل سوء إن شاء الله تعالى . قالوا فأنت من الأنبياء قال ما أنا من الأنبياء ولكني عبد من عباد الله خاطئ مذنب . قالوا له فاحلف لنا أنك لا تبرح . فحلف لهم . فقال لهم الراهب اصعدوا إلى الدير واوتروا القس لتنفروا السباع عن هذا العبد الصالح ، فإنه كره الدخول عليَّ في الصومعة . فدخلوا واوتروا القس ، فإذا هم بلبؤة قد أقبلت فلما دنت من سعيد بن جبير تحككت به وتمسحت به ثم ربضت قريباً منه . وأقبل الأسد فصنع مثل ذلك . فلما رأى الراهب ذلك دخلت له في قلبه هيبة . فلما أصبحوا نزلوا إليه فسأله الراهب عن شرائع دينه وسنن نبيه صلى الله عليه وسلم . فقرر له سعيد ذلك كله . فأسلم الراهب وحسن إسلامه وأقبل القوم على سعيد يعتذرون إليه ويقبلون يديه ورجليه ويأخذون التراب الذي وطئه يصلون عليه ويقولون ، يا سعيد حلفنا الحجاج بالطلاق والعتاق إن نحن رأيناك لا ندعك حتى نشخصك إليه ، فمرنا بما شئت . فقال سعيد امضوا لشأنكم فإني لائذ بخالقي ولا راد لقضاء ربي . فساروا حتى وصلوا إلى واسط ، فلما انتهوا إليها قال لهم سعيد رضي الله عنه ، يا معشر القوم قد تحرمت بكم وصحبتكم ولست أشك أن أجلي قد قرب وحضر وأن المدة قد انقضت ودنت ، فدعوني الليلة آخذ الموت واستعد لمنكر ونكير واذكر عذاب القبر وما يحثي علي من التراب ، فإذا أصبحتم فالميعاد بيني وبينكم ، المكان الذي تريدون . فقال بعضهم هو على أرفعه إليكم إنشاء الله تعالى . فنظروا إلى سعيد وقد دمعت عيناه وأغبر لونه ، وكان لم يأكل ولم يشرب ولم يضحك منذ لقوه وصحبوه . فقالوا بأجمعهم يا خير أهل الأرض ليتنا لم نعرفك ولم نرسل إليك ، الويل لنا ، كيف ابتلينا بك ، فاعذرنا عند خالقنا يوم الحشر الأكبر ، فإنه القاضي الأكبر والعادل الذي لا يجور . فلما فرغوا من البكاء والمجاوبة له ولهم قال كفيله ، أسألك بالله يا سعيد إلا ما زدتنا من دعائك وكلامك ، فإنا لن نلقي مثلك أبداً . فدعا لهم سعيد رضي الله تعالى عنه ، ثم خلوا سبيله ، فغسل رأسه ومدرعته وكساءه وأقبل على الصلاة والدعاء والاستعداد للموت ليله كله ، وهم مختفون الليل كله . فلما انشق عمود الصبح جاءهم سعيد رضي الله تعالى عنه ، فقرع الباب . فقالوا صاحبكم ورب الكعبة ، فنزلوا إليه . فبكى وبكوا معه طويلاً . ثم ذهبوا به إلى الحجاج فدخل عليه المتلمس ، فسلم عليه وبشره بقدوم سعيد بن جبير . فلما مثل بين يديه قال له ما اسمك . قال سعيد بن جبير . فقال بل أنت شقي بن كسير . قال سعيد بل أمي كانت أعلم باسمي منك . فقال الحجاج شقيت أنت وشقيت أمك . فقال سعيد الغيب يعلمه غيرك . فقال الحجاج لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى . قال لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً . قال فما قولك في محمد صلى الله عليه وسلم . قال نبي الرحمة . قال فما قولك في علي بن أبي طالب ، أفي الجنة هو أم في النار . قال لو دخلتهما وعرفت أهلهما عرفت من فيهما . قال فما قولك في الخلفاء . قال لست عليهم بوكيل . قال فأيهم أعجب إليك . قال أرضاهم لخالقه . قال فأيهم أرضى للخالق قال علم ذلك عند الذي علم سرهم ونجواهم . قال فما بالك لا تضحك . قال أيضحك مخلوق خلق من الطين ، والطين تأكله النار . قال فما بالنا نضحك . قال لم تستو القلوب . ثم إن الحجاج أمر باللؤلؤ والزبرجد والياقوت وغير ذلك من الجواهر فوضعت بين يدي سعيد . فقال سعيد رضي الله تعالى عنه ، إن كنت جمعت هذا لتفتدى به من فزع يوم القيامة فصالح وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت ، لا خير في شئ جمع للدنيا إلا ما طاب وزكا . ثم دعا الحجاج بآلات اللهو فضرب بين يدي سعيد . فبكى سعيد . فقال الحجاج ويلك يا سعيد . فقال سعيد الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار . فقال يا سعيد أي قتلة تريد أن أقتلك بها . قال اختر لنفسك يا حجاج ، فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة . قال فتريد أن أعفو عنك . قال إن كان العفو من الله فنعم ، وأما منك أنت فلا . فقال اذهبوا به فاقتلوه . فلما أخرج من الباب ضحك . فأخبر الحجاج بذلك . فأمر برده فقال ما أضحكك وقد بلغني أن لك أربعين سنة لم تضحك . قال ضحكت عجباً من جراءتك على الله ومن حلم الله عليك . فأمر بالنطع فبسط بين يديه وقال اقتلوه . فقال سعيد رضي الله عنه ( كل نفس ذائقة الموت ) ثم قال وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين . قال وجهوه لغير القبلة . فقال سعيد فأينما تولوا فثم وجه الله . فقال كبوه لوجهه . فقال منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى . فقال الحجاج اذبحوه . فقال سعيد أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، ثم قال اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي . فذبح على النطع رحمة الله تعالى عليه ، فكان رأسه يقول بعد قطعه لا إله إلا الله مراراً . وعاش الحجاج بعده خمس عشرة ليلة ولم يسلط على قتل أحد بعده . ولما بلغ الحسن البصري رضي الله عنه قتل سعيد بن جبير قال ، اللهم أنت على فاسق ثقيف رقيب ، والله لو أن أهل المشرق والمغرب اشتركوا في قتله لكبهم الله تعالى في النار ، والله لقد مات وأهل الأرض من المشرق إلى المغرب محتاجون إلى علمه . وقد كفر بعض الفقهاء الحجاج بقوله للناس لما رآهم يطوفون بحجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم إنما تطوفون بأعواد ورمة . وفي هذا تكذيباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه قال إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ، أخرجه أبو داود . وسئل شريح وكان قاضياً لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن الحجاج ، أكان مؤمناً . قال نعم بالطاغوت كافراً بالله تعالى . وركب يوم جمعة فسمع ضجة فقال ما هذا . فقيل المحبوسون يضجون ويشكون مما هم فيه من الجوع والعذاب . فالتفت إلى ناحيتهم وقال اخسؤا فيها ولا تكلمون ، فما صلى جمعة بعدها . وروي أنه لما مرض مرض الموت كان كلما نام رأى سعيد بن جبير أخذ بثوبه وهو يقول يا عدو الله فيم قتلتني . فيستيقظ مذعوراً . ولما حضرته الوفاة كان يغيب ثم يفيق ويقول ، مالي ولسعيد بن جبير . ثم أحضر منجماً وقال هل ترى في علمك أن ملكاً يموت . قال نعم ولست هو . قال وكيف ذلك . قال لأن الملك الذي يموت اسمه كليب . فقال الحجاج أنا هو والله بذلك سمتني أمي ، فأوحى عند ذلك وكان ينشد في مرضه يقول : ا
يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا ............ إيمانهم أنني من ساكني النار
أيحلفون على عمياء ويحهــم ................. ما ظنهم بعظيم العفو غفـار
وروي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أنه رأى الحجاج في المنام بعد موته وهو جيفة منتنة فقال له ما فعل الله بك . قال قتلني بكل قتيل قتلته قتلة واحدة ، إلا سعيد بن جبير فإنه قتلني به سبعين قتلة . فقال له ما أنت منتظر . فقال ما ينتظره الموحدون . وعند الله علم حاله وهو أعلم بحقيقة أمره . وزعمت العرب أن الحجاج وقومه من بقايا ثمود لذلك قال الحجاج على المنبر تزعمون أننا من بقايا ثمود ، والله عز وجل يقول وثمود فما أبقى وقد أرخ المؤرخون كثيراً عن ظلم الحجاج وجوره غير الذي ذكرنا ، أضربنا عنه مخافة التطويل وقد اكتفينا بما ذكرناه .ا
الباقر والوليد
توفى عبد الملك بن مروان وقد عهد لابنيه الوليد وسليمان . فقام بالأمر الوليد بن عبد الملك ، فسار سيرة حسنة . قال بن عساكر كان الوليد عند أهل الشام من أفضل خلفائهم . إلا أنه روي أنه هو الذي دس السم للإمام زين العابدين رضي الله عنه . وقيل أن الذي سمه هشام بن عبد الملك . وبموت الإمام زين العابدين انتقلت الإمامة إلى ابنه محمد الملقب بالباقر لأنه كان كثير العلم ، بقر العلم بقراً . وقيل فيه :ا
يا باقر العلم لأهل التقى ............. وخير من لبى على الأجبل
سأله رجل يوماً هل ورث رسول الله صلى الله عليه وسلم علم جميع الأنبياء . فقال نعم . فسأله هل ورثها هو . فقال نعم . فقال وهل تقدر أن تحيي الموتى وتبرئ الأكمة والأعمى . فقال نعم بإذن الله . ثم قال أدنو مني يا أبا بصير . وكان أبو بصير مكفوف النظر . قال فدنوت منه فمسح بيده على وجهي فأبصرت السماء والجبل والأرض . فقال أتحب أن تكون هكذا تبصر وحسابك على الله أو تكون كما كنت ولك الجنة . قلت الجنة . فمسح بيده على وجهي فعدت كما كنت . وروي عن الزبير بن محمد المكي قال ، كنا عند جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، فأتاه علي بن الحسين ومعه ابنه محمد الباقر وهو صبي . فقال علي لابنه محمد قبل رأس عمك . فدنا محمد من جابر فقبل رأسه . فقال جابر من هذا ، وكان قد كف بصره . فقال له علي بن الحسين رضي الله عنهما ، هذا ابني محمد . فضمه جابر إليه وقال ، يا محمد ، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام . فقالوا كيف ذلك يا أبا عبد الله . قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسين في حجره وهو يلاعبه . فقال يا جابر يولد لابني الحسين ابن يقال له علي ، فإذا كان يوم القيامة ينادي مناد ، ليقم سيد العابدين ، فيقوم علي بن الحسين . ويولد لعلي بن الحسين ابن يقال له محمد ، يا جابر إن أدركته فأقرئه مني السلام ، وإن لاقيته فاعلم أن بقاءك بعده قليل ، فلم يعش جابر بعد ذلك إلا ثلاثة أيام . وقد أخبر علي بن أبي طالب بمثل ذلك عندما عهد إلى ابنه الحسن رضي الله عنه . وقال الباقر إن الأئمة معصومون وأن أهل البيت خالصون من ارتكاب المعاصي ، وأن الأرض هي ملك الأئمة وبهم ينظر الله إلى الناس بعين الرحمة ، ولولاهم لهلك الناس ، وهم لا يخافون ولا يخشون إلا الله . وكان الباقر عالماً زاهداً تقياً ورعاً إلى غير ذلك من الصفات الحميدة ، ولم يفكر يوماً في الخروج على الخليفة مع افتتان أهل العراق به . روي الزهري قال ، حج هشام بن عبد الملك ودخل المسجد الحرام متوكئاً على سالم مولاه ، ومحمد الباقر في المسجد . فقال له سالم يا أمير المؤمنين هذا محمد بن علي في المسجد ، المفتون به أهل العراق . فقال اذهب إليه وقل له يقول لك أمير المؤمنين ما الذي يأكله الناس ويشربونه إلى أن يفضل الله بينهم يوم القيامة . فقال له قل له يحشر الناس على مثل قرص من نقى فيها أنهار متفجرة يأكلون ويشربون منها حتى يفرغوا من الحساب . قال فلما بلغ هشام ذلك رأى أنه قد ظفر به . فقال الله أكبر ، ارجع إليه فقل له ما أشغلهم عن الأكل والشرب يومئذ . فقال الباقر قل له هم في النار أشغل ولم يشغلوا أن قالوا أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله . فسكت هشام . ومر على الباقر يوماً زيد بن علي أخوه فقال ، أما رأيت هذا ليخرجن بالكوفة وليقتلن وليطافن برأسه فكان كما قال . ومات الباقر رضي الله عنه مسموماً كأبيه ولم يقدم له الوليد أي أذى . ورغم شهرة الوليد بالأفعال الحسنة ارتكض في أكفانه وغلت يداه إلى عنقه عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه . ا
سليمان بن عبد الملك
تولى الخلافة بعد وفاة أخيه . وكان رجل خير وإحسان ، وكان يبغض كل من عاون أخيه وخصوصاً الحجاج ، ولكن الحجاج مات قبل خلافته . وكان يميل إلى أعداء الحجاج ويكره أحبابه ، ولذلك عزل جميع عماله وولى أعداءهم ، مما جعل العامة تفرح بخلافته لأنه أزاح عنهم عمال الجور والعسف الذين كانوا عليهم فى عهد أخيه . وأطلق الأسارى وخلى أهل السجون ، وأحسن إلى الناس . ومما يروى عن محاسنه رحمه الله تعالى ، أن رجلاً دخل عليه فقال ، يا أمير المؤمنين ، أنشدك الله والآذان . فقال له سليمان ، أما أنشدك الله فقد عرفناه ، فما الآذان . قال قوله تعالى ( فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين ) . فقال له سليمان ما ظلامتك . قال ضيعتى الفلانية ، غلبنى عليها عاملك فلان . فنزل سليمان رحمه الله عن سريره ورفع البساط ووضع خده بالأرض وقال ، والله لا رفعت خدى من الأرض حتى يكتب له برد ضيعته . فكتب الكتاب وهو واضع خده رحمه الله . وقيل أنه أطلق من سجن الحجاج ثلثمائة ألف ما بين رجل وامرأة ، وصادر آل الحجاج ، واتخذ بن عمه عمر بن عبد العزيز الرجل الصالح رضى الله عنه وزيراً ومشيراً ، وأنه أراد أن يستكتب يزيد بن أبى مسلم وزير الحجاج فقال له عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه ، سألتك بالله يا أمير المؤمنين لا تحيى ذكر الحجاج باستكتابك يزيد . فقال له يا عمر إنى لم أجد عنده خيانة فى درهم ولا دينار . فقال له يا أمير المؤمنين ، إن إبليس أعف منه فى الدرهم والدينار وقد أغوى الخلق كلهم جميعاً . فأضرب سليمان عما عزم عليه . وروى أن يزيد هذا دخل على سليمان بن عبد الملك وكان يزيد دميماً قبيحاً ، فقال له سليمان أجرك رسنه وأشركك فى أمانته . فقال له يا أمير المؤمنين لا تقل هذا قال ولم . قال لأنك رأيتنى والأمر عنى مدبر ، ولو رأيتنى والأمر علىَ مقبل لاستحسنت ما استقبحت منى ولاستعظمت ما استصغرت منى . فقال له سليمان ويحك ، أو قد استقر الحجاج فى قعر جهنم بعد أم لا . فقال يا أمير المؤمنين لا تقل ذلك فى الحجاج . قال ولم . قال لأن الحجاج وطأ لكم المنابر وأذل لكم الجبابرة ، وأنه يأتى يوم القيامة عن يمين أبيك ويسار أخيك فحيثما كانا كان . وروى أن سليمان كان فصيحاً بليغاً مؤثراً للعدل ويرجع إلى دين وخير واتباع للقرآن وإظهار شعائر الإسلام مترفعاً عن سفك الدماء ، وكان مغرماً بحب النساء . وكان شرهاً كثير الأكل . قال بن خلطان أنه كان يأكل فى اليوم نحو مائة رطل شامى . ولما ولى رد الصلاة إلى ميقاتها الأول . وكان من قبله من خلفاء بنى أمية يؤخرونها إلى آخر وقتها ولذلك قال محمد بن سيرين رحمه الله تعالى أن سليمان افتتح خلافته بخير واختتمها بخير . افتتحها بإقامة الصلاة لميقاتها الأول ، وختمها باستخلافه لعمرو بن عبد العزيز رضى الله عنه. وروى أن سليمان بن عبد الملك خرج من الحمام فى يوم جمعة فلبس حلة خضراء واعتم بعمامة خضراء ، وجلس على فراش أخضر وبسط ما حوله بالخضرة ، ثم نظر فى المرآة وكان جميلاً فأعجبه جماله ، فشمر عن ذراعيه وقال ، كان فينا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ، وكان أبو بكر رضى الله عنه صديقاً ، وكان عمر رضى الله تعالى عنه فاروقاً ، وكان عثمان رضى الله تعالى عنه حيياً ، وكان علىَ رضى الله تعالى عنه شجاعاً ، وكان معاوية رضى الله تعالى عنه حليماً ، وكان يزيد صبوراً ، وكان عبد الملك سائساً . وكان الوليد جباراً ، وأنا الملك الشاب . ثم خرج لصلاة الجمعة فوجد حظية له فى صحن الدار فأنشدته هذه الأبيات : ا
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ........... غير أن لا بقاء للإنسـان
ليس فيما بداً لنا منك عيـب ........... عابه الناس غير أنك فانى
فلما فرغ من الصلاة ودخل داره قال لتلك الحظية ، ما قلت لى فى صحن الدار وأنا خارج . قالت ما قلت لك شيئاً ، ولا رأيتك ، وأنى لى بالخروج إلى صحن الدار . فقال إنا لله وإنا إليه راجعون ، نعيت إلىَ نفسى . فما جاءت عليه جمعة أخرى حتى مات . وذكر صاحب كتاب شهيد كربلاء قال ، حج مرة وكان الحر فى الحجاز شديداً ، فتوجه إلى الطائف طلباً للبرودة ، وأتى له برمان فأكل سبعين رمانة . ثم أتى له بجدى وست دجاجات فأكلها . ثم أتى له بزبيب فأكل منه كثيراً ونام . ثم انتبه فأتوا له بالغذاء فأكل كعادته . ويقول ، وقيل أن سبب موته أنه أتاه نصرانى وهو نازل على دابق بزنبيلين مملوءين تيناً وبيضاً ، فأمر أن يقشر له البيض وجعل يأكل بيضة وتينة حتى أتى على الزنبيلين . ثم أتى له بمخ وسكر فأكله فأتخم ومرض ومات . وكان سليمان قد عهد لابنه أيوب فمات . فلما مرض سليمان استشار فى تولية عمر بن عبد العزيز فووفق على ذلك . وكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز ، أنى قد وليتك الخلافة من بعدى ، ومن بعدك يزيد بن عبد الملك . فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم . ا
أموى صالح
بعد موت سليمان بن عبد الملك قام بالأمر عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد والإمام العادل والرجل الصالح . أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه . فعمر رضى الله تعالى عنه جده من قبل أمه . روى أنه لما ولى الخلافة سمع صوتاً لم يرى قائله يقول : ا
من الآن قد طابت وقر قرارها ............. على عمر المهدى قام عمودها
وكان عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه عفيفاً زاهداً ناسكاً عابداً مؤمناً تقياً صادقاً . هو أول من اتخذ دار الضيافة من الخلفاء ، وأول من فرض لأبناء السبيل . وكتب إلى نوابه بإبطال سب علىَ بن أبى طالب على المنابر . ولما خطب يوم الجمعة أبدل السب فى آخر الخطبة بقراءة قوله تعالى ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون ) . لذلك قال فيه كثير بن عبد الرحمن المعروف بكثير عزة : ا
وليت فلم تسبب علياً ولم تخف .......... مريباً ولم تقبل مقالة مجـرم
وصدقت القول الفعال مع الذى .......... أتيت فأمسى راضياً كل مسلم
إلى قوله :ا
فاربح بها من صفقة لمبايع .............. وكرم بها من بيعة ثم اكرم
وكتب إلى عماله أن لا تقيدوا مسجوناً بقيد فإنه يمنع من الصلاة . وكتب إليهم أيضاً : ا
إذا دعتكم قدرتكم على ظلم التاس فاذكروا قدرة الله تعالى عليكم . ونفاد ما تأتون إليه وبقاء ما يأتى إليكم من العذاب بسببهم . ا
وروى أنه لما دفن سليمان بن عبد الملك وخرج من قبره سمع ضجة عظيمة ، فقال ما هذا . فقيل هذه مراكب الخلافة قربت إليك يا أمير المؤمنين لتركبها . فقال رضى الله عنه ، ما لى إليها ، نحوها عنى وقربوا إلىَ دابتى . فقربت إليه فركبها ، فجاء صاحب الشرطة ليسير بين يديه بالحربة جرياً على عادة الخلفاء قبله . فقال له تنح عنى ، مالى ولك ، إنما أنا رجل من المسلمين . ثم سار مختلطاً بين الناس حتى دخل المسجد ، فصعد المنبر . فاجتمع الناس إليه . فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم قال ، أيها الناس إنى ابتليت بهذا الأمر من غير رأى منى فيه ولا طلبة ولا مشورة من المسلمين . وإنى قد خلعت ما فى أعناقكم من بيعتى فاختاروا لأنفسكم غيرى . فصاح المسلمون صيحة واحدة قد اخترناك يا أمير المؤمنين ، ورضيناك أميرنا باليمن والبركة . فلما سكتوا حمد الله تعالى وأثنى عليه وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال ، أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله تعالى خلف من كل شئ وليس من تقوى الله خلف ، واعملوا لآخرتكم فإنه من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه وآخرته ، واصلحوا سرائركم يصلح الله علانيتكم وأكثروا ذكر الموت واحسنوا له الاستعداد قبل أن ينزل بكم فإنه هازم اللذات . وإنى والله لا أعطى أحداً باطلاً ولا أمنع أحداً حقاً . يا أيها الناس ، من أطاع الله وجبت طاعته ، ومن عصى الله فلا طاعة له . أطيعونى ما أطعت الله ، فإن عصيته فلا طاعة لى عليكم . ثم نزل وأقبل سائراً . فقيل له منزل الخلافة . فقال فيه عيال أبى أيوب ( بن سليمان بن عبد الملك ) . وفى فساطيطى كفاية حتى يتحولوا . فأقام فى منزله حتى فرغوه . ويقول صاحب كتاب تاريخ الأمم الإسلامية ، كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله بعيداً عن كبرياء الملوك وجبروتهم . فأعاد إلى الناس سيرة الخلفاء الراشدين الذين كانوا ينظرون إلى أمتهم نظر الأب البار ، ويعدلون بينهم فى الحقوق . ويغضون عن أموال الرعية والدنيا عندهم أهون من أن يهتم بجمعها ، كذلك كان عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه. فى أول خلافته أرسل كتاباً عاماً إلى جميع العمال بالأمصار هذه نسخته : ا
أما بعد ، فإن سليمان بن عبد الملك كان عبداً من عبيد الله أنعم الله عليه ثم قبضه واستخلفنى ، ويزيد بن عبد الملك من بعدى إن كان ، وان الذى ولانى الله من ذلك وقدر لى ليس علىَ بهين . ولو كانت رغبتى فى اتخاذ أزواج واعتقاد أموال كان فى الذى أعطانى من ذلك ما قد بلغ بى أفضل ما بلغ بأحد من خلقه . وأنا أخاف فيما ابتليت به حساباً شديداً ومسئلة غليظة إلا ماعافى الله ورحم ، وقد بايع من قبلنا فبايع من قبلك . وروى صاحب الكتاب المذكور أن خارجة خرجت عليه بالعراق ، فكتب إلى عامله يأمره أن لا يحركهم إلا أن يسفكوا دماً أو يفسدوا فى الأرض . فإن فعلوا فحل بينهم وبين ذلك . وانظر رجلاً صليباً حازماً فوجهه إليهم ووجه معه جنداً وأوصيه بما أمرتك به . وكتب عمر رضى الله عنه إلى رئيس الخارجة واسمه بسطام من بنى يشكر يدعوه ويسأله عن سبب خروجه . وكان كتاب عمر :ا
بلغنى أنك خرجت غضباً لله ولنبيه ولست بأولى بذلك منى . فهلم أناظرك . فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس . وإن كان فى يدك نظرنا فى أمرنا . فكتب بسطام إلى عمر رضى الله تعالى عنه : ا
قد أنصفت وقد بعثت إليك رجلين يدارسانك ويناظرانك . ا
ولما وصل هذان الرجلان إلى عمر رضى الله تعالى عنه ناظراه ، فقال لهما رحمه الله تعالى ما أخرجكما هذا المخرج وما الذى نقمتم . فقال المتكلم ما نقمنا سيرتك ، إنك لتتحرى العدل . فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر . أعن رضا من الناس ومشورة أم ابتززتم أمرهم . فقال عمر ما سألتهم الولاية عليهم ولا غلبتهم عليها ، وعهد إلى رجل كان قبلى فقمت ولم ينكره علىَ أحد ، ولم يكرهه غيركم . وأنتم ترون الرضا بكل من عدل وأنصف من كان من الناس فاتركونى ذلك الرجل ، وإن خالفت الحق ورغبت عنه فلا طاعة لى عليكم . فقال الرجل بيننا وبينك أمر واحد رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك وسميتها مظالم . فإن كنت على هدى وهم على ضلالة فالعنهم وابرأ منهم . فقال عمر قد علمت أنكم لم تخرجوا طلباً للدنيا ، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم طريقها .إن الله عز وجل لم يبعث رسوله صلى الله عليه وسلم لعاناً . وقال إبراهيم ( فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم ) .وقال الله عز وجل ( اولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده ) . وقد سميت أعمالهم ظلماً وكفى بذلك ذماً ونقصاً . وليس لعن أهل الذنوب فريضة لابد منها ، فإن قلتم أنها فريضة فاخبرنى متى لعنت فرعون . قال ما أذكر متى لعنته قال أفيسعك أن لا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق وشرهم ، ولا يسعنى ألا أن ألعن أهل بيتى وهم مصلون صائمون . قال أما هم كفار بظلمهم . قال لا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى الإيمان فكان من أقر به وبشرائعه قبل منه ، فإن أحدث حدثاً أقيم عليه الحد . فقال الخارجى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى توحيد الله والإقرار بما نزل من عنده . قال عمر فليس أحد منهم يقول لا أعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولكن القوم أسرفوا على أنفسهم على علم منهم أنه محرم عليهم . ولكن غلب عليهم الشقاء . قال الخارجى فابرأ مما خالف عملك ورد أحكامهم . قال عمر اخبرنى عن أبى بكر وعمر أليسا على حق . قال بلى . قال أتعلم أن أبا بكر حين قاتل أهل الردة سفك دماءهم وسبى الذرارى وأخذ الأموال . قال بلى . قال أتعلم أن عمر رد السبايا بعده إلى عشائرهم بفدية . قال نعم . قال فهل برئ عمر من أبى بكر . قال لا . قال أفتبرءون أنتم من واحد منهما . قال لا . قال فاخبرنى عن أهل النهروان وهم أسلافكم ، هل تعلم أن أهل الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دماً ولم يأخذوا مالاً وأن من خرج إليهم من أهل البصرة قتلوا عبد الله بن خباب وجاريته وهى حامل . قال نعم . قال فهل برئ من لم يقتل ممن قتل واستعرض . قال لا . قال افتبرءون أنتم من إحدى الطائفتين . قال لا . قال أفيسعكم أن تتولوا أبا بكر وعمر وأهل البصرة وأهل الكوفة وقد علمتم اختلاف أعمالهم ، ولا يسعنى إلا البراءة من أهل بيتى والدين واحد ، فاتقوا الله فإنكم جهال تقبلون من الناس ما رد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتردون عليهم ما قبل ، ويأمن عندكم من خاف عنده ، ويخاف عندكم من أمن عنده . فإنكم يخاف عندكم من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله . وكان من فعل ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم آمناً وحقن دمه وماله وأنتم تقتلونه . ويأمن عندكم سائر أهل الأديان فتحرمون دماءهم وأموالهم . فقال الخارجى ارأيت رجلاً ولى قوماً وأموالهم فعدل فيها ثم صيرها بعده إلى رجل غير مأمون ، أتراه أدى الحق الذى يلزمه الله تعالى ، أو تراه قد سلم . قال عمر لا . قال أفتسلم هذا الأمر إلى يزيد من بعدك وأنت تعرف أنه لا يقوم فيه بالحق . قال إنما ولاه غيرى ، والمسلمون أولى بما يكون منهم فيه بعدى . قال أفترى ذلك من صنع من ولاه حقاً . وكان هذا السؤال الأخير محرجاً لعمر . فطلب النظرة فى الإجابة عنه . وشهد أحد الرسولين أن عمر على حق وأقام عنده . أما الثانى فقال ما أحسن ما وصفت ولكنى لا أفتات عاى المسلمين بأمر أعرض عليهم ما قلت وأعلم ما حجتهم هذا الحادث يذكرنى بحادث الحسين بن على رضى الله تعالى عنهما . فانظر إلى حسن سياسة عمر ومرءته وعدله . وهكذا يسير خليفة المسلمين . وانظر إلى نذالة يزيد بن معاوية وسفالة عبيد الله بن زياد . كان فى استطاعة عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه أن ينكل بهؤلاء الخارجين ، ولكنه لم يقبل أن يسفك دماءهم رغم علمه وعلم المسلمين أنهم على باطل . فدعاهم ليتفاهم معهم لعل أن يكون الحق معهم . وعمر ممن كان مع الحق أين كان . أما يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد كانا يعلمان أن الحسين على حق وهم على باطل ورغم هذا سفكوا دمه ودم أهل بيته صلوات الله عليهم جميعاً . وكان سفك دمائهم أهون عليهما من سفك دم الخوارج عند عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه ، لأنهما ليسا مع الحق ولا يريدانه . وأبطل عمر مغارم كثيرة كانت قد استحدثت فى عهد الحجاج . فقد كتب إلى أمير العراق كتاباً قال فيه : ا
أما بعد ، فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور فى أحكام الله ، وسنة خبيثة سنها عليهم عمال السوء وأن قوام الدين العدل والإحسان الخ . ا
ولما ولى الخلافة أحضر قريشاً ووجوه الناس فقال لهم ان تلك كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يضعها حيث أراه الله ، ثم وليها أبو بكر وعمر كذلك . ثم اقطعها مروان . ثم إنها قد صارت إلىَ ولم تكن من مالى ، أعود منها علىَ ، وإنى أشهدكم أنى قد رددتها على ما كانت عليه فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال لمولاه مزاحم إن أهلى اقطعونى ما لم يكن لى أن آخذ ، ولا لهم أن يعطونيه ، وأنى قد هممت برده على أربابه . قال فكيف تصنع بولدك . فجرت دموعه وقال ، اتكلم إلى الله . فخرج مزاحم حتى دخل على عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز فقال له إن أمير المؤمنين قد عزم على كذا وكذا وهذا أمر يضركم وقد نهيته عنه . فقال عبد الملك بئس وزير الخليفة أنت . ثم قام فدخل على أبيه وقال ما تريد أن تصنع يا أبت . قال أى بنى أقيل . قال تقيل ولا ترد المظالم . قال أى بنى إنى سهرت البارحة فى أمر عمك سليمان ، فإذا صليت الظهر رددت المظالم . فقال يا أمير المؤمنين من أين لك أن تعيش إلى الظهر . فقال ادن منى يا بنى . فدنا منه فقبله بين عينيه وقال ، الحمد لله الذى أخرج من ظهرى من يعيننى على دينى . فخرج وأمر مناديه أن ينادى ، ألا كل من كانت له مظلمة فليرفعها . فتقدم إليه ذمى من أهل حمص فقال ، يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله . قال وما ذاك . قال إن العباس بن الوليد اغتصبنى ارضى . والعباس جالس . فقال عمر ما تقول يا عباس . قال إن أمير المؤمنين الوليد اقطعنى إياها وهذا كتابه . فقال عمر ما تقول يا ذمى . قال يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى . فقال عمر كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد ، أردد إليه أرضه يا عباس . فردها إليه . ولما بلغ عمر بن الوليد رد ضيعة أخيه على الذمى كتب إلى عمر بن عبد العزيز ، إنك قد أزريت على من كان قبلك من الخلفاء ، وعبت عليهم وسرت بغير سيرتهم بغضاً لهم وشيناً لمن بعدهم من أولادهم ، وقطعت ما أمر الله به أن يوصل ، إذ عمدت إلى أموال قريش ومواريثهم فأدخلتها بيت المال جوراً وعدواناً ، ولن تترك على هذا الحال ، والسلام . فلما قرأ كتابه كتب ، بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد ، السلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ، أما بعد ، فقد بلغنى كتابك ، أما أول شأنك يا بن الوليد فأمك بنانة أَمَة السكون ، كانت تطوف فى سوق حمص وتدخل حوانيتها ، ثم الله أعلم بها ، ثم اشتراها ذبيان من بيت مال المسلمين فأهداها لأبيك فحملت بك ، فبئس المولود . ثم نشأت فكنت جباراً عنيداً ، تزعم أنى من الظالمين إذ حرمتك وأهل بيتك مال الله الذى فيه حق القرابة والمساكين والأرامل ، وان اظلم منى وأترك لعهد الله من استعملك صبياً سفيهاً على الجند ، تحكم فيهم برأيك ولم يكن له فى ذلك نية إلا حب الوالد لولده ، فويل لأبيك ، ما أكثر خصماءه يوم القيامة . وكيف ينجو أبوك من خصماءه ، وان اظلم منى ، وأترك لعهد الله من استعمل الحجاج يسفك الدم ويأخذ المال الحرام . وان اظلم منى وأترك لعهد الله من استعمل قرة اعرابياً جافياً على مصر ، وأذن له فى المعازف واللهو والشرب . وان اظلم منى وأترك لعهد الله من جعل لغالية البربرية فى خمس الرب نصيباً . فرويداً يا بن بنانة ، فلو التقت حلقتا البطان ورد القىء إلى أهله لتفرغت لك ولأهل بيتك . فوضعتهم على المحجة البيضاء ، فطالما تركتم الحق وأخذتم فى الباطل ومن وراء ذلك ما أرجو أن أكون رأيته من بيع رقبتك وقسم ثمنك بين اليتامى والمساكين والأرامل ، فإن لكل فيك حقاً ، والسلام على من اتبع الهدى ، ولا ينال سلام الله القوم الظالمين . وروى أنه وقع فى زمانه غلاء عظيم ، فقدم عليه وفد من العرب ، فاختاروا رجلاً منهم لخطابه . فتقدم إليه وقال ، يا أمير المؤمنين إنٌا وفدنا إليك من ضرورة عظيمة ، وراحتنا فى بيت المال ، وماله لا يخلو من أن يكون لله أو لعباده أو لك . فإن كان لله فالله غنى عنه ، وإن كان لعباده فآتهم إياه ، وإن كان لك فتصدق به علينا ، إن الله يجزى المتصدقين . فتغرغرت عينا عمر رضى الله عنه بالدموع وقال ، هو كما ذكرت . وأمر بحوائجهم فقضيت ، فهم الاعرابى بالانصراف فقال عمر ، أيها الرجل كما أوصلت حوائج عباد الله إلىَُ فأوصل حاجتى وارفع فاقتى إلى الله . فقال الاعرابى إلهى اصنع بعمر بن عبد العزيز كصنيعه فى عبادك . فما استتم كلامه حتى ارتفع غيم عظيم وأمطرت السماء مطراً كثيراً . فجاء فى المطر بردة كبيرة فوقعت على جرة فانكسرت فخرج منها كاغد مكتوب فيه ( هذه براءة من الله العزيز الجبار لعمر بن عبد العزيز من النار ) . ولما دخل دار الخلافة أمر بستورها فهتكت وبالبسط فرفعت . وأمر ببيع ذلك وإدخال أثمانه فى بيت مال المسلمين . وأخذ عمر في رد المظالم إلى أهلها حتى أخذ ما بأيدى أهله وسماه مظالم . ففزع بنو أمية إلى عمته فاطمة بنت مروان . فأتته فقالت ، تكلم يا أمير المؤمنين . فقال إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة ولم يبعثه عذاباً إلى الناس كافة . ثم اختار له ما عنده وترك للناس نهراً شربهم سواء . ثم ولى أبو بكر فترك النهر على حاله . ثم ولى عمر فعمل عملهما ، ثم لم يزل النهر يستقى منه يزيد ومروان وعبد الملك ابنه والوليد وسليمان حتى افضى الأمر إلىَُ وقد يبس النهر الأعظم ، فلم يرد أصحابه حتى يعود إلى ما كان عليه . فقالت حسبك ، قد أردت كلامك ، فأما إذا كانت مقالتك هذه فلا أذكر شيئاً أبداً . فرجعت إليهم فأخبرتهم كلامه وقالت ، أنتم فعلتم هذا بأنفسكم ، تزوجتم بأولاد عمر بن الخطاب فجاء يشبه جده . فسكتوا . ولما ولى عمر بن عبد العزيز قال للناس ، من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا . يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها . ويعيننا على الخير بجهده . ويدلنا من الخير على ما نهتدى إليه . ولا يغتابن أحداً ولا يعترض فيما لا يعنيه . فانقشع الشعراء والخطباء ، وثبت عنده الفقهاء والزهاد . وقالوا ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف قوله فعله . وقال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز مرة لأبيه ، يا أمير المؤمنين ، ما تقول لربك إذا أتيته وقد تركت حقاً لم تحيه أو باطلاً لم تمته . فقال يا بنى ، إن أجدادك قد دعوا الناس عن الحق ، فانتهت الأمور إلىَُ ، وقد أقبل شرها وأدبر خيرها . ولكن أليس حسناً وجميلاً ألا تطلع الشمس علىَُ فى يوم إلا أحييت فيه حقاً وأمت باطلاً حتى يأتينى الموت وأنا على ذلك . ولما مرض ابنه عبد الملك مرضه الأخير دخل عليه عمر بن عبد العزيز فقال ، يا بنى كيف نجدك . قال أجدنى فى الحق . قال يابنى إن تكون فى ميزانى أحب إلىَُ من أن أكون فى ميزانك . فقال يا أباه لأن يكون ما تحب أحب إلىَُ من أن يكون ما أحب . فمات وعمره سبعة عشر سنة رضى الله عنه . وقال محمد بن علىَُ الباقر رضى الله عنهما أن لكل قوم نجيبة ، وأن نجيبة بنى أمية عمر بن عبد العزيز . وأنه يبعث يوم القيامة أمة وحده . وكان مصرف عمر فى اليوم لا يزيد عن درهمين . وكان يتقشف فى ملبسه كجده عمر بن الخطاب . روى رجاء بن حياة قال ، كان عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه أعظم الناس وأكيسهم وأجملهم فى مشيته ولبسه . فلما استخلف قومت ثيابه وعمامته وقميصه وقباؤه وخفه ورداؤه ، فإذا هن يعدلن إثنى عشر درهماً . وذكر بن عساكر وغيره أن عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه كان قد شدد على أقاربه وانتزع كثيراً مما فى أيديهم ، فتبرموا به وسموه . ويروى أنه دعا بخادمه الذى سمه فقال له ، ويحك ما حملك على أن سقيتنى السم . قال ألف دينار أعطيتها . قال هاتها . فجاء بها . فأمر بطرحها في بيت المال . وقال لخادمه ، اخرج بحيث لا يراك أحد . وعن فاطمة بنت عبد الملك زوج عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه أنها قالت ، والله ما اغتسل عمر من حلم ولا من جنابة منذ ولى هذا الأمر ، وكان نهاره فى أشغال الناس ورد المظالم . وليله فى عبادة ربه تعالى . قال مسلمة بن عبد الملك ، دخلت على أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه أعوده فى مرضه الذى مات فيه فإذا عليه قميص وسخ ، فقلت لزوجه اغسلى قميص أمير المؤمنين . فقالت نفعل إنشاء الله تعالى . ثم عدت فإذا القميص على حاله ، فقلت لها ألم آمرك أن تغسلى قميص أمير المؤمنين فإن الناس يعودونه . فقالت ، والله ماله قميص غيره . وكان عمر رضى الله تعالى عنه كثيراً ما يتمثل بهذه الأبيات : ا
نهارك يا مغرور سهو وغفلة ........... وليلك نوم والردى لــك لازم
يغرك ما يفنى وتفرح بالمنى .......... كما غر باللذات فى النوم حالـم
وشغلك فيما سوف تكره غية .......... كذلك فى الدنيا تعيش البهائــم
ولما احتضر عمر بن عبد العزيز قال ، اجلسونى . فأجلسوه . فقال إلهى أنا الذى أمرتنى فقصرت ، ونهيتنى فعصيت ، ولكن لا إله إلا الله ، ومات رضى الله تعالى عنه . ويقول صاحب كتاب حياة الحيوان ، كان إليه المنتهى فى العلم ، والفضل والشرف والويح والتآلف ، ونشر العدل . جدد الله تعالى به للأمة دينها ، وسار فيها بسيرة جده لأمه عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه . قال الشافعى رضى الله تعالى عنه ، الخلفاء الراشدون خمسة ، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وعمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنهم جميعاً . وذكر بن عساكر أنه لما وضع فى قبره هبت ريح شديدة ، فسقطت منها صحيفة مكتوبة بأحسن خط ( بسم الله الرحمن الرحيم ، براءة من الله العزيز الجبار لعمر بن عبد العزيز من النار ) . فأخذوها ووضعوها فى أكفانه . ويعتقد المسلمون أن عمر بن عبد العزيز هو الذى بعث على رأس المئة الثنائية ليجدد للأمة أمر دينها كما جاء فى الحديث الشريف ( إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ) . صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويقول صاحب كتاب حياة الحيوان ، واعلم أن مناقب عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه كثيرة جداً . فمن أراد معرفة ذلك فعليه بسيرة العمرين والحلية . ونكتفى بما ذكر من مناقبه رضى الله تعالى عنه .ا
شهيد حبابة
بويع ليزيد بن عبد الملك بن مروان بعد موت بن عمه عمر بن عبد العزيز رضى الله عنهما بعهد له من أخيه سليمان . فلما ولى قال ، خذوا بسيرة عمر بن عبد العزيز . فساروا بسيرته أربعين يوماً ، فدخل عليه أربعون رجلاً من مشايخ دمشق وحلفوا له أنه ليس على الخلفاء حساب ولا عقاب فى الآخرة ، وخدعوه بذلك فانخدع . وأظن أن بنى أمية خافوا أن يسير مثل سلفه الصالح عمر بن عبد العزيز فدسوا له هؤلاء المشايخ حتى خدعوه . ويقول الراوى ، وكانت طائفة من جهال الشام يعتقدون أن ليس على الخلفاء حساب يوم القيامة وظنى أيضاً أن الذى خلق فيهم هذا الاعتقاد بنى أمية كى لا ينكر على الخليفة إذا فعل منكراً . ولما قرر هؤلاء المشايخ ليزيد ما تقدم ترك لشهوته العنان وطلب لنفسه ما تشتهى . ذكر بن عساكر وغيره أن يزيد بن عبد الملك كان قد اشترى جارية فى أيام أخيه سليمان بأربعة آلاف دينار ، وكان اسمها حبابة ، وأحبها حباً شديداً . فبلغ أخاه سليمان ذلك فقال ، هممت أن أحجر على يزيد . فبلغ يزيد ذلك فباعها خوفاً من أخيه. فلما أفضت الخلافة إليه قالت له زوجته ، يا أمير المؤمنين ، هل بقى فى نفسك من الدنيا شئ . قال نعم . قالت وما هو . قال حبابة . فاشترتها له وهو لا يعلم ، وزينتها وأجلستها من وراء ستر لها ، ثم قالت ، يا أمير المؤمنين ، هل بقى فى نفسك من الدنيا شئ . قال أو ما أعلمتك أنها حبابة . فرفعت الستر وقالت ، ها أنت وحبابة . وتركته وإياها ، فحظيت عنده وغلبت على عقله ، ولم ينتفع به فى الخلافة . وأنه قال يوماً أن بعض الناس يقولون أنه لن يصفو لأحد من الملوك يوم كامل من الدهر ، وأنى أريد أن أكذبهم فى ذلك . ثم أقبل على لذاته واختلى مع حبابة ، وأمر أن يحجب عن سمعه وبصره كل ما يكره . فبينما هو على تلك الحالة فى صفو عيشه وزيادة فرحه وسروره إذ تناولت حبابة حبة رمان وهى تضحك فغصت بها فماتت . فاختل عقل يزيد وتكدر عيشه وذهب سروره ، ووجد عليها وجداً شديداً . وتركها أياماً لم يدفنها ، بل يقبلها ويترشفها حتى أنتنت وجافت فأمر بدفنها . ثم نبشها من قبرها ولم يعش بعدها إلا خمسة عشر يوماً . وقال فيها : ا
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى .......... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلــد
وكل خليل زارنى فهــو قائــل ............ من أجلك هذا ها لك اليوم أو غد
ظن يزيد أنه يستطيع أن يرغم الدهر على تغيير طبعه بحوله وطوله ، ولكنه فشل فشلاً ذريعاً . فالدهر من طبعه الكدر ، ولم يصفو ساعة كاملة لإنسان ، ولا لأعظم ملوك الدنيا . روى أن سليمان عليه السلام أراد أن يعيش يوماً واحداً فى صفاء ، فأمر الجن ببناء صرح ، فبنوه له ، فدخله مختبئاً ، فدخل عليه شاب فقال له ، كيف دخلت من غير استئذان . فقال له إنما دخلت بإذن . قال ومن أذن لك . قال رب هذا الصرح . فعلم سليمان أنه ملك الموت أتى ليقبضن روحه . فقال سليمان سبحان الله ، هذا اليوم الذى طلبت فيه الصفاء . فقال له طلبت ما لم يخلق . ويقول صاحب كتاب تاريخ الأمم الإسلامية ، أن يزيد بن عبد الملك هو أول خليفة من بنى أمية عرف بالشراب وقتل الوقت فى معاشرة الفتيان .ا
هشام بن عبد الملك
تولى الخلافة بعهد من أخيه يزيد ، وكان حازماً عاقلاً صاحب سياسة حسنة ، وكان ذا رأى ودهاء وحزم وفيه حلم وقلة شده . قام بالخلافة أتم قيام . وفى عهده قتل زيد بن علىُ بن الحسين . يقول صاحب كتاب تاريخ الأمم ، خرج من الكوفة زيد بن علىُ بن الحسين وسبب خروجه ظلم عامل العراق يوسف بن عمر الثقفى وسوء تدبيره . وكان زيد قد بايعه كثير من أهل الكوفة سراً . قيل خمسة عشر الفاً . وقيل أربعون . وقد نصحه بعض بنى عمه بعدم الخروج لأن أهل الكوفة لا يعتمد عليهم ، فلم يصغ . وبلغت الأخبار يوسف بن عمر ، فتهيأ له . ولما علم بذلك أهل الكوفة جاءوا زيداً وقالوا له ، ما قولك فى أبى بكر وعمر . قال رحمهما الله وغفر لهما . ما سمعت أحداً من أهل بيتى يقول فيهما إلا خيراً . وأن أشد ما أقول فيما ذكرتم إنا كنا أحق بسلطان ما ذكرتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الناس أجمعين ، فدفعونا عنه ، ولم يبلغ بذلك عندنا بهم كفراً . وقد ولوا فعدلوا فى الناس وعملوا بالكتاب والسنة . قالوا فلم يظلمك هؤلاء . إذا كان أولئك لم يظلموك فلم تدعو إلى قتالهم . فقال إن هؤلاء ليسوا كأولئك ، هؤلاء ظالمون لى ولكم ولأنفسهم ، وإنما ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم . وإلى السنن أن تحيا وإلى البدع أن تطفأ . فإن اجبتمونا سعدتم ، وإن أبيتم فلست عليكم بوكيل . ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا سبق الإمام . يعنون محمد الباقر وكان قد مات . فسماهم زيد الرافضة . وفى الليلة التى كان قد اتفق معهم على الخروج فيها ، لم يأته أكثر من مئتى نفس . ويقول ولم يكن القتال الذى قاموا به مما يورثهم دولة ، لقلة عددهم . وانتهى الأمر بقتل زيد ودفنه أصحابه . فدل يوسف على موضع قبره فأخرجه وأمر أن يصلب بالكناسة ، وسير رأسه إلى هشام فصلب على باب دمشق .ا
أشر من فرعون
ثم قام بالأمر بعد هشام بن أخيه ، الوليد بن يزيد بعهد من أبيه بعد هشام . وكان الوليد بن يزيد بن عبد الملك فاسقاً . أتته الخلافة وهو بالبرية فاراً من عمه لأنه كان يبغضه لأجل استخفافه بالدين وشربه الخمر واشتهاره بالفسق . وهمَ هشام بقتله ففر وصار لا يقيم بأرض خوفاً من هشام . فلما كانت الليلة التى قدم عليه البريد فى صبيحتها بالخلافة ، قلق تلك الليلة قلقاً شديداً ، فقال لبعض أصحابه ويحك إنه قد أخذنى الليلة قلق ، فاركب بنا حتى ننبسط . فسارا مقدار ميلين وهما يتحدثان فى أمر هشام وما يتعلق به من كتبه إليه بالتهديد والوعيد . ثم نظرا فرأيا من بعد هرجاً وصوتاً ، ثم انكشف ذلك عن برد يطلبونه فقال لصاحبه ، ويحك ، إن هذه رسالة هشام ، اللهم اعطنا خيرهم . فلما قرب البرد منهما وأثبتوا الوليد معرفة ، ترجلوا وجاءوا فسلموا عليه بالخلافة . فبهت وقال ويحكم ، مات هشام . قالوا نعم ، ثم أعطوه الكتب فقرأها ، وسار من فوره إلى دمشق فأقام فى الخلافة سنة واحدة . ثم أجمع أهل دمشق على خلعه وقتله لاشتهاره بالمنكرات وتظاهره بالكفر والزندقه . ا
قال بن عساكر وغيره ، انهمك الوليد فى شربه الخمر ولذاته ورفض الآخرة وراء ظهره . وأقبل على القصف واللهو والتلذذ مع الندماء والمغنين . وكان يضرب بالعود ويوقع بالطبل ويمشى بالدف . وكان قد انتهك محارم الله تعالى حتى قيل له الفاسق . وكان أكمل بنى أمية أدباً وفصاحة وظرفاً ، وأعرفهم بالنحو واللغة والحديث . وكان جواداً مفضالاً . ومع ذلك لم يكن فى بنى أمية أكثر دمانا للشرب والسماع ولا أشد مجونا وتهتكاً واستخفافاً بأمر الأمة من الوليد بن يزيد . يقال أنه واقع جارية له وهو سكران ، وجاءه المؤذنون يؤذنونه بالصلاة ، فحلف أن لا يصلى بالناس إلا هى ، فلبست ثيابه وتنكرت وصلت بالمسلمين وهى على حالتها من السكر والجنابة . ويقال أنه اصطنع بركة من الخمر ، وكان إذا طرب ألقى نفسه فيها وشرب منها حتى يظهر النقص فى أطرافها . وقال الماوردى أن الوليد بن يزيد تفاءل يوماً فى المصحف ، فخرج له قوله تعالى ( واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ) صدق الله العظيم . ا
فمزق المصحف وقال : ا
أتوعد كل جبـار عنيــد .......... فها أنا ذاك جبـار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر ...... فقل يا رب مزقنى الوليد
فلم يلبث إلا أياماً يسيرة حتى قتل شر قتلة ، وصلب رأسه على قصره ، ثم على أعلى سور بلده . وجاء فى الحديث ، ليكونن فى هذه الأمة رجل يقال له الوليد ، هو شر من فرعون . فتأوله العلماء الوليد بن يزيد هذا . ولما خلعه أهل دمشق بايعوا بن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك فقال ، من أحضر رأس الوليد فله مائة ألف درهم . فحصره أصحاب يزيد ، فهم أصحاب الوليد بالقتال ، فنهاهم ، فتفرقوا ثم دخلوا عليه فى قصره وكان يقرأ فى المصحف فقال ، يوم كيوم عثمان . فقيل له ولا سواء . فقطع رأسه . وكانت أمه بنت محمد بن يوسف الثقفى أخو الحجاج . ا
عاقبة البغي
بعد هلاك الوليد بن يزيد بايع الناس يزيد بن الوليد المتقدم ذكره . وكان الأمويون متشائمون من خلافته لأنه بن أَمَة . وكانوا يعتقدون أن ملكهم يزول على خليفة أمه أَمَة . وكان يزيد يسمى الناقص لأنه نقص من اعطيات الناس وردهم إلى ما كانوا عليه أيام هشام . وكان مظهراً للنسك وقراءة القرآن وأخلاق عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه . وكان ذا دين وورع . وأقام يزيد فى الخلافة والأمور مضطربة عليه ، لأن فى عهده بدأ تفرق البيت الأموى وتحزبه ضد بعضه . ثم مات يزيد بعد أن عهد لأخيه إبراهيم . وكان خلاف البيت الأموى على أشده . فإن مروان بن محمد بن مروان والى أذبيجان لما سمع بمبايعة إبراهيم طمع فى الخلافة لأحقيته ، فهو حفيد مروان مؤسس البيت المروانى ، وصاحب الفتوحات العديدة . فدعا إلى نفسه وقدم الشام . فجهز له إبراهيم بن الوليد أخويه بشراً ومسروراً بجيش عظيم . فالتقوا وانتصر عليهم مروان ، ثم انتصر على الخليفة وبويع له . بهذا الخلاف القائم بين زعماء البيت الأموى تمكن دعاة بنى العباس بالدعوة لزعيمهم أبو العباس عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم .ا
- (لأن أولاد على بن أبى طالب قد اقتنعوا بالإمامة الباطنة ، ولم يتطلعوا للخلافة ، وذلك لم يرضى بنى العباس ، فدعوا لأنفسهم )
وكان زعيم دعاة العباسيين ، أبو مسلم الخرسانى . ا
يقول صاحب كتاب آل محمد فى كربلاء ، ووفق إبراهيم ( أخو أبى العباس ) إلى شاب خرسانى بارع فى القيادة والمكايد العسكرية ، هو أبو مسلم الخرسانى ، فزعمه دعاته وأمُره على جماعته . فنشط أبو مسلم فى بث الدعوة ، ووفق كل التوفيق . فبايع أهل الكوفة أبى العباس الملقب بالسفاح بعد قتل أخيه إبراهيم . وظهر السفاح بالكوفة ، وجهز عمه عبد الله بن على بن عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهم لقتال مروان بن محمد . فالتقا الجمعان واقتتلوا قتالاً شديداً ، فانهزم مروان . ثم جهز السفاح عمه صالح فتبع مروان إلى أن دخل مصر وهو يتبعه . ومازال يتنقل من قرية إلى قرية وهو فى أثره حتى وصل قرية من قرى الصعيد عند الفيوم اسمها أبو صير . فدخل مروان فى كنيستها ، فتم عليه خادمه ، فهجم على الكنيسة أحد قواد بنى العباس وهو عامر بن إسماعيل ، فخرج مروان من باب الكنيسة وفى يده سيف ، وقد أحاطت به الجنود . فتمثل قائلاً : ا
متقلدين صفائحاً هندية .......... يتركن من ضربوا كان لم يولد
ثم قاتل حتى قتل ، فأمر عامر برأسه . فقطع فى ذلك المكان . وسل لسانه وألقى على الأرض ، فجاءت هرة فخطفته فأكلته . فقال عامر ، لو لم يكن بالدنيا عجب إلا هذا ، لكان كافياً لسان مروان فى فم هرة . وقيل : ا
قد يسر الله مصراعنوه لكم .......... وأهلك الكافر الجبـار إذ ظلـما
فلاك مقوله هر يجرجـره ........... وكان ربك من ذى الظلم منتقما
ودخل عامر بعد قتله الكنيسة ، فجلس على فرش مروان . وكان مروان حين الهجوم على الكنيسة يتعشى ، فلما سمع ضجة الجند وثب عن عشائه ، فأكل عامر ذلك الطعام . ودعا بابنة لمروان ، وكانت أكبر بناته فقالت ، يا عامر ، إن دهراً أنزل مروان عن فرشه وأقعدك عليه حتى تعشيت بعشائه واستصبحت بمصباحه ونادمت ابنته ، لقد ابلغ فى موعظتك واجمل فى إيقاظك . فاستحيا عامر وصرفها . ا
وقال مروان حين قتل ( انقرضت دولتنا ) . فتمزقت بموته دولة بنى أمية . وكان يقال له مروان الحمار ويقول صاحب كتاب حياة الحيوان ، وكانت مدة خلافتهم نيفا وثمانين سنة ، وهى ألف شهر .ا
ولما انقضت دولتهم علم ما قال الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما لما قيل له ، تركت الخلافة لمعاوية . فقال ليلة القدر خير من ألف شهر ( يعنى مدة خلافة بنى أمية ) . ا
مصرع البغاة
استوثق الأمر لعبد الله السفاح ، فعامل من بقى من بنى أمية معاملة حسنة . فكان يجالسهم ويؤاكلهم . وكان عنده يوماً تسعين رجلاً منهم ، فدخل عليه بعض الشعراء فوجده يؤاكلهم فقال : ا
لا يغرنك ما ترى مـن رجـال .......... إن تحت الضلوع داء دوياً
فضع السيف وارفع السوط حتى ...... لا ترى فوق ظهرها أموياً
فأمر السفاح بقتل كبيرهم سليمان بن هشام بن عبد الملك . ثم دخل مولى لبنى هاشم على عبد الله بن على عم السفاح ، فقال : ا
أصبح الملك ثابت الأســاس .......... بالبهاليل من بنى العبـاس
طلبوا وتر هاشم فشفــوها ............ بعد ميل من الزمان وياس
لا تقيلن عبد شمس عثــارا ........... واقطعن كل رقلة وغـراس
ذلها أظهر التــودد منــها .............. وبها منكم كحـد المـواس
ولقد ساءنى وســاء سوائى .......... قربهم من نمارق وكـراس
انزلوها بحيـث أنزلها اللـه ............. بدار الهـوان والاتعــاس
واذكروا مصرع الحسين وزيد ........ وشهيد بجانــب المهراس
والقتيل الذى بحران أضحــى ........... ثاديا بين غربة وتنــاس
وهنا عبس وجه العباس وأمر بقتل جميع الأمويين الذين عنده ، فقتلوا .ا
ويروى صاحب كتاب شهيد كربلاء فيقول ، فبسط عليهم الاقطاع ومد عليهم الموائد ، وأكل الناس وهم يسمعون أنينهم حتى ماتوا جميعاً . وأمر عبد الله السفاح بنبش قبور بنى أمية ، فنبش قبر معاوية بن أبى سفيان ، ونبش قبر ابنه يزيد ، وقبر عبد الملك بن مروان ، ونبش قبر هشام بن عبد الملك فوجد صحيحاً ، وقد دهنت جثته بالعنبر ، فأمر بصلبه ، فصلب ثم أحرقه بالنار وذراه . ( وهشام هذا هو الذى أمر بقتل زيد بن على بن الحسين وصلبه ) . ثم أمر بقتل أولاد الخلفاء من بنى أمية وألقاهم فى الطريق فأكلتهم الكلاب . ولما رأى من بقى من بنى أمية ذلك هربوا واختفوا فى البلاد . ا
وهكذا ينتقم الله من الظالم مهما طال عمره ومهما ظن الناس أن لا دافع . ا
قال صلى الله عليه وسلم ( ان الله يحلى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت ) . ا
-( وكذلك أخذ ربك القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد ) .ا
وبذلك انتهت دولة الأمويين ، وذهب عصرهم كأنه لم يكن . وقد صدق القائل ( دولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى قيام الساعة ) . والقائل ( الظلم إن دام مر والعدل إن دام عمر ) . ا
الخاتمة
تكلم العلماء فى بعض خلفاء بنى أمية ، فمنهم من حكم عليهم بالكفر ، ومنهم من لم يحكم عليهم به . وقد كتب الجاحظ فى ذلك رسالة حمل فيها على من لم يحكم بكفرهم . وقد عنى بنشرها حضرة الأستاذ السيد عزت العطار . ويقول فى إهدائها لسيادة نجل حفيد خاتم النبيين وأشرف المرسلين فرع الدوحة الهاشمية المباركة الإمام العادل يحيى بن حميد الدين صاحب السمو الملكى الأمير المعظم سيف الإسلام عبد الله ، ويقول ، سيدى هذه الرسالة خطت فى القرن الثالث للهجرة النبوية ، بقلم زعيم من زعماء كتاب العصر العباسى وأدبائه ، وهو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، كتبها إلى أحد عمومتكم من الأمراء العباسيين . ويقول الناشر أن الجاحظ أحد زعماء البيان العربى ، ومن شيوخ المعتزلة ورؤسائهم . وأنه من الكتاب المنتجين الذين أربت مؤلفاتهم على الماية والستين فى مختلف العلوم والفنون . وقد أفرد بها حضرة الناشر كتيب خاص بعنوان ( رأى أبى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فى معاوية والأمويين ) . ا
وقد ذكر فيه حضرته ما قاله المؤرخون والعلماء فى مقدرة الجاحظ العلمية . قال الناشر ، الجاحظ هو عمرو بن بحر الجاحظ المعتزلى ، صاحب المنزلة العالية عند أهل الأدب . كان بن حزم يثق بنقله . توفى سنة 256 هجرية . وقال ، قال أبو الحسن الملطى ، كان الجاحظ صاحب تصانيف ولم يكن صاحب جدل . ويقول قال ياقوت وحسبك بها فضيلة لأبى عثمان الجاحظ أن يكون مثل بن الأخشيد ، وهو من هو فى معرفة علوم الحكمة ، وهو رأس عظيم من رؤوس المعتزلة يستهام بكتب الجاحظ حتى ينادى عليها بعرفات والبيت الحرام ويقول ، قال المسعودى وهو من خصوم الجاحظ ، وكتبْ الجاحظ مع انحرافه المشهور تجلوا أصداء الأذهان وتكشف بواضح البرهان ، لأنه نظمها أحسن نظم ، ورصفها أحسن رصف ، وكساها كلمه أجزل لفظ ، وكان إذا تخوف ملل القارئ وسأمة السامع خرج من جد إلى هزل ، ومن حكمة بليغة إلى نادرة طريفة . ثم قال ، ولا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر من الجاحظ كتباً . ويقول ، وذكر صاحب وفيات الأعيان ، أن أبا القاسم السيرافى قال ، حضرنا مجلس الأستاذ أبى الفضل بن العميد ، فجرى ذكر الجاحظ ، ففض منه بعض الحاضرين وأزرى به وسكت الوزير عنه ، فلما خرج الرجل قلت له ، سكت أيها الأستاذ عن هذا الرجل فى قوله ، ما عهدتك فى الرد على أمثاله تتوانى . فقال لم أجد فى مقابلته أبلغ من تركه على جهله ، ولو وافقته وبينت له لنظر فى كتبه وصار إنساناً يا أبا القاسم . فكتب الجاحظ تعلم العقل أولاً والأدب ثانياً ، ولم استصلحه لذلك . وقال أبو المظفر الأسفراينى فى كتابه التبصير فى الدين فى عمرو بن بحر الجاحظ ، وقد اغتر أصحابه بحسن بيانه فى تصانيفه ، ولو عرفوا ضلالته وما أحدثه فى الدين من بدعة ، لكانوا يستغفرون عن مدحه ويستنكفون عن الانتساب إلى مثله . فمن بدعه قوله ، أن الله تعالى لا يدخل أحداً النار ولكن بطبعها تجذب أهلها ، ثم تمسكهم فى جوفها خالداً مخلداً . وقال عن الجنة نفس قوله عن النار ، فأبطل بهذا القول الرغبة والرهبة والثواب والعقاب من الله تعالى . وقد افتخر به الكعبى وعدَّه من مشايخ المعتزلة . ويقول الناشر ، قال الجاحظ ، ذكرت للمتوكل لتعليم ولده ، فلما مثلت بين يديه بسامرا استبشع منظرى ، فأمر لى بعشرة آلاف درهم وصرفنى . وكان الجاحظ جاحظ العينين كإسمه . ويقول قال المبرد ، دخلت على الجاحظ فى مرضه ، فقلت كيف أنت . فقال ، كيف يكون من نصفه مفلوج ، لو نشر ما أحس به ، ونصفه الآخر منقرس ، لو طار الذباب به ألمه وقد جاوز التسعين . ثم أنشد : ا
أترجو أن تكون وأنت شيخ .......... كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ......... دريس كالجديد من الثياب
وقد روى أن موته كان بوقوع مجلدات العلم عليه ، وكان من عادته أن يضعها قائمة كالحائط ، محيطة به وهو جالس إليها ، وكان عليلاً فسقطت عليه فقتلته . ويقول فى آخر المقدمة ، هذا ملخص وجيز لحياة هذا العالم الفذ . وإذا أردت أن أبين حياته العلمية والأدبية واستوعب ما قاله العلماء عنه لأحتاج إلى تصنيف كبير لا تتسع له هذه الرسالة ، والله سبحانه وتعالى حسبى ونعم الوكيل . ويقول قال الجاحظ ، أطال الله بقاءك وأتم نعمته عليك وكرامته لك أعلم أرشد الله أمرك أن هذه الأمة قد صارت بعد إسلامها والخروج من جاهليتها إلى طبقات متفاوتة ومنازل مختلفة ، فالطبقة الأولى عصر النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر رضى الله عنهما ، وست سنين من خلافة عثمان رضى الله عنه كانوا على التوحيد الصحيح والإخلاص المحض ، مع الألفة واجتماع الكلمة على الكتاب والسنة ، وليس هناك عمل قبيح ولا بدعة فاحشة ، ولا نزع يدمن طاعة ولا حسد ولا غل ولا تآول ، حتى كان الذى من قتل عثمان رضى الله عنه ومن انتهك منه ومن خبطهم اياه بالسلاح وبعج بطنه بالحراب ، وفرى أوداجه بالمشاقص وشرخ هامته بالعمد ، مع كفه عن البسط ونهيه عن الامتناع مع تعريفه لهم قبل ذلك من كم وجه يجوز قتل من شهد الشهادة وصلى إلى القبلة وأكل الذبيحة ، ومع ضرب نسائه بخصرته واقتحام الرجال على حرمته ، مع اتقاء نائلة بنت القرافصة عنه بيدها حتى أطنوا إصبعين من أصابعها ، وقد كشفت عن قناعها ورفعت عن ذيلها ليكون ذلك ردعاً لهم وكاسراً من غربهم مع وطئهم فى أضلاعه بعد موته ، وإلقائهم على المزبلة جسده مجرداً بعد سحبه ، وهى الجزرة التى جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم كفؤاً لبناته وأيامه وعقائله بعد السب والتعطيش والحصر الشديد والمنع من القوت ، مع احتجاجه عليهم وإقحامه لهم ، ومع اجتماعهم على أن دم الفاسق حرام كدم المؤمن ، إلا من ارتد بعد إسلام ، أو زنى بعد احصان ، أو قتل مؤمناً على عمداً ، أو رجل عدا على الناس بسيفه . فكان فى امتناعهم عنه عطبة ، ومع اجتماعهم على أن لا يقتل من هذه الأمة مول ، ولا يجهز على جريح . ثم مع ذلك كله زفروا عليه وعلى أزواجه وحرمه وهو جالس فى محرابه ومصحفه يلوح فى حجره ، لن يرى أن موحداً يقدم على قتل من كان فى مثل صفته وحاله ، لا جرم ، لقد احتلبوا به دماً ، لا تطير رغوته ولا تسكن فورته ولا يموت ثائره ، ولا يكل طالبه ، وكيف يضيع الله دم وليه والمنتقم له ، وما سمعنا بدم بعد دم يحيى بن زكريا عليهما السلام ، غلى غليانه وقتل سافحه وأدرك بطائلته ، وبلغ كل محبته ، كدمه رحمة الله عليه ، ثم قال ذا ما قاتله والمعين على دمه ، والمريد لذلك منه ، فضلال لاشك فيهم ، ومراق لا إمتراء فى حكمهم ، على أن هذا لم يعد منهم الفجور ، إما على سوء تأويل ، وإما على تعمد للشقاء . ثم ما زالت الفتن متصلة والحروب مترادفة ، كحرب الجمل ، وكوقائع صفين ، وكيوم النهروان . وقبل ذلك يوم الزابوقة ، وفيه أسر بن حنيف وقتل حكيم بن جبلة ، إلى أن قتل أشقاها على بن أبى طالب رضى الله عنه ، فأسعده الله بالشهادة وأوجب لقاتله النار واللعنة ، إلى ما كان من اعتزال الحسن رضى الله عنه الحروب وتخليه عن الأمور ، فعندها استوى معاوية على الملك ، واستبد على بقية الشورى ، وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين فى العام الذى سموه عام الجماعة ، وما كان عام جماعة ، بل عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة . والعام الذى تحولت فيه الإمامة ملكاً كسروياً ، والخلافة غصباً قيصرياً . ولم بعد ذلك أجمع الضلال والفسق ثم ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا ، وعلى منازل ما رتبنا ، حتى رد قضية رسول الله صلى الله عليه وسلم رداً مكشوفاً . وجحد حكمه جحداً ظاهراً فى ولد الفراش ، وما يجب للعاهر مع اجتماع الأَمَة ، إن سمية لم تكن لأبى سفيان فراشاً ، وإنه إنما كان بها عاهراً ، فخرج بذلك من حكم الفجار إلى حكم الكفار ، وليس قتل حجر بن عدى وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر ، وبيعة يزيد الخليع ، والاستئثار بالفىء واختيار الولاة على الهوى ، وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة من جنس جحد الأحكام المنصوصة والشرائع المشهورة والسنن المنصوبة ، وسواء فى باب ما يستحق من الكفار جحد الكتاب ورد السنة ، إذا كانت السنة فى شهرة الكتاب وظهوره ، إلا أن أحدهما أعظم وعقاب الآخرة عليه أشد . فهذه أول كفرة كانت من الأمة ، ثم لم تكن إلا فيمن يدعى إمامتها والخلافة عليها . على أن كثيراً من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك اكفاره . وقد أربت عليهم نابتة عصرنا ومبتدعة دهرنا فقالت ، لا تسبوه فإن له صحبة ، وسب معاوية بدعة ، ومن يبغضه فقد خالف السنة . فزعمت أن من السنة ترك البرآءة ممن جحد السنة . ثم الذى كان من يزيداً ابنه ومن عماله وأهل نصرته . ثم غزو مكة ورمى الكعبة واستباحة المدينة وقتل الحسين عليه السلام فى أكثر أهل بيته مصابيح الظلام وأوتاد الإسلام بعد الذى أعطى من نفسه ، من تفريق أتباعه والرجوع إلى داره وحرمه ، أو الذهاب فى الأرض حتى لا يحس به ، أو المقام حيث أمر به . فأبوا إلا قتله والنزول على حكمهم . وسواء قتل نفسه بيده أو أسلمها إلى عدوه . وخير فيها من لا يبرد غليله إلا بشرب دمه ، فاحسبوا قتله ليس بكفر ، وإباحة المدينة وهتك الحرمة ليس بحجة . كيف تقولون فى رمى الكعبة وهدم البيت الحرام وقبلة المسلمين . فإن قلتم ليس ذلك أرادوا ، بل إنما أرادوا المتحرز به والمتحصن بحيطانه ، فما كان فى البيت وحريمه أن يحصروه فيه ، إلى أن يعطى بيده . وأى شئ بقى من رجل قد أخذت عليه الأرض إلا موضع قدمه . واحسب ما ردوا عليه من الأشعار التى قولها شرك والتمثل بها كفر شيئاً مصنوعاً ، كيف تصنع بنقر القضيب بين ثنتى الحسين عليه السلام ، وحمل بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم حواسر على الاقتاب العارية والإبل الصعاب . والكشف عن عورة علىّ بن الحسين عند الشك فيه فى بلوغه ، على أنهم إن وجدوه وقد أنبت قتلوه ، وإن لم يكن أنبت حملوه كما يصنع أمير جيش المسلمين بذرارى المشركين . وكيف تقول فى قول عبيد الله بن زياد لاخوته وخاصته ، دعونى أقتله فإنه بقية هذا النسل فاحسم به هذا القرن وأميت به هذا الداء وأقطع به هذه المادة ، خبرونى على ما تدل هذه القسوة وهذه الغلظة بعد أن شفوا أنفسهم بقتلهم ونالوا ما أحبوا فيهم . أتدل على نصب وسوء رأى وحقد وبغضاء ونفاق ، وعلى يقين مدخول وإيمان مخروج ، أم تدل على الإخلاص وعلى حب النبى صلى الله عليه وسلم والحفظ له ، وعلى براءة الساحة وصحة السريرة . فإن كان على ما وصفنا لا يعدوا الفسق والضلال وذلك أدنى منازله . فالفاسق ملعون ، ومن نهى عن لعن الملعون فملعون . ا
وذكر المؤرخ عنه قال ، وزعمت نابتة عصرنا ومبتدعة دهرنا أن سب ولاة السوء فتنة ، ولعن الجورة بدعة وإن كانوا يأخذون السمى بالسمى والولى بالولى والقريب بالقريب وأخانوا الأولياء وأمنوا الأعداء وحكموا بالشفاعة والهوى وإظهار القدرة ، والتهاون بالأمة والقمع للرعية ، وإنهم فى غير مداراة ولا تقية ، وإنه عدا ذلك إلى الكفر وجواز الضلال إلى الجحد ، فذلك أضل ممن كف عن شتمهم والبراءة منهم . على أنه ليس من استحق إسم الكفر بالسنة بالقتل كمن استحقه برد السنة وهدم الكعبة . وليس من استحق إسم الكفر بذلك كمن شبه الله بخلقه ، وليس من استحق الكفر كمن استحقه بالتجريد والنابتة فى هذا الوجه أكفر من يزيد وأبيه وابن زياد وأبيه . ولو ثبت أيضاً على يزيد أنه تمثل بقول بن الزبعرى : ا
ليت أشياخى ببدر شهدوا ........... جذع الخزرع من وقع الأسل
لاستطالوا واستهلوا فرحاً ............. ثم قالوا يا يزيد لا تســـل
قد قتلنا الغر من ساداتهم ................ وعدلناه ببدر فاعتــــدل
كان تجويز النابتى لربه وتشبيهه بخلقه أعظم من ذلك ، واقطع على أنهم مجمعون على أنه ملعون من قتل مؤمناً متعمداً أو متأولاً . فإذا كان القاتل سلطاناً جائراً أو أميراً عاصياً لم يستحلوا سبه ولا خلعه ولا نفيه ولا عيبه ، وإن أخاف الصلحاء وقتل الفقهاء وأجاع الفقير وظلم الضعيف وعطل الحدود والثغور وشرب الخمور وأظهر الفجور ، ثم ما زال الناس يتسكعون مرة ويداهنونهم مرة ويقاربونهم مرة ويشاركونهم مرة إلا بقية ممن عصمه الله تعالى ذكره . حتى قام عبد الملك بن مروان وابنه الوليد وعاملهما الحجاج بن يوسف ومولاه يزيد بن أبى مسلم فأغاروا على البيت بالهدم وعلى حرم المدينة بالغزو ، فهدموا الكعبة واستباحوا الحرمة ، وحولوا قبلة واسط ، وأخروا صلاة الجمعة إلى مغربان الشمس ، فإن قال رجل لأحدهم اتق الله ، فقد أخرت الصلاة عن وقتها قتله على هذا القول جهاراً غير ختل ، وعلانية غير سر ، ولا يعلم على ذلك إلا أقبح من إنكاره . فكيف يكفر العبد بشئ ولا يكفر بأعظم منه . وقد كان بعض الصالحين ربما وعظ بعض الجبابرة وخوفه العواقب ، وأراه أن فى الناس بقية ينهون عن الفساد فى الأرض ، حتى قام عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف فزجرا عن ذلك وعاقبا عليه وقتلا فيه ، فصاروا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، فاحسب تحويل القبلة كان غلطاً ، وهدم البيت كان تأويلاً . واحسب مارووا من كل وجه أنهم كانوا يزعمون أن خليفة المرء فى أهله أرفع عنده من رسوله إليهم باطلاً ومسموعاً مولداً . وأحسب وَشْم أيدى المسلمين ، ونقش أيدى المسلمات ، وردهم بعد الهجرة إلى قراهم ، وقتل الفقهاء وسب أئمة الهدى والنصب لعثرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون كفراً . كيف تقول فى جمع ثلاث صلوات فيهن الجمعة ، ولا يصلون أولاهن حتى تصير الشمس أعالى الجدران كالملأ المعصفر ، فإن نطق مسلم خبط بالسيف ، وأخذته العمد ، وشك بالرماح وإن قال قائل اتق الله أخذته العزة بالإثم ، ثم لم يرض إلا بنثر دماغه على صدره ، ويصلبه حيث تراه عياله وقال ، ومما يدل على أن القوم لم يكونوا إلا فى طريق التمرد على الله عز وجل ، والاستخفاف بالدين ، والتهاون بالمسلمين والابتذال لأهل الحق أكل أمرائهم الطعام وشربهم الشراب على منابرهم أيام جمعهم وجموعهم ، فعل ذلك حسن بن دجلة وطارف مولى عثمان والحجاج وغيرهم . ذلك إن كان كفر كله فلم يبلغ كفر نابتة عصرنا وروافض دهرنا ، لأن جنس كفر هؤلاء غير كفر أولئك . كان اختلاف الناس فى القدر على أن طائفة تقول كل شئ بقضاء وقدر ، وتقول طائفة أخرى كل شئ بقضاء وقدر إلا المعاصى . ولم يكن أحد يقول أن الله يعذب الأبناء ليغيظ الآباء ، وأن الكفر والإيمان مخلوقان فى الإنسان مثل العمى والبصر . وكانت طائفة تقول إن الله يرى ، لا تزيد على ذلك ، خافت أن يظن بها التشبيه ، قالت بلى كيف يتقزز أمن التجسيم والتصوير ، حتى نبتت هذه النابتة وتكلمت هذه الرافضة فقالت ، جسماً وجعلت له صورة وحداً . وكفرت من قال بالرؤية على غير التجسيم والتصوير . ا
وهكذا آخر كل بغى ، وصدق القائل ( وعلى الباغى تدور الدوائر ) . فلا الدنيا نالها ولا الآخرة اكتسبها ، فمسكين إذن . ا


There are no threads for this page.  Be the first to start a new thread.